رواية البصيرة - جوزيه ساراماجو

By | 11:37 م Leave a Comment

تتتت

صدرت " البصيرة " في 2004 ، أي بعد حصول ساراماغو علي نوبل بست سنوات ، ولو نشرت قبل ذلك لإستحق عليها " وحدها " النوبل . ومع انه تمتع من أول أعماله بالنضج الفني ، الذي يفتقده الكثير من الروائيين في أعمالهم الأولي ، إلا أن النضج في هذه الرواية قد بلغ مداه ، بداية من فكرة الرواية ، وحبكتها ، وسردها الجديد ، ومرورا بتطور أحداثها ، وليس نهاية بوصف مكانها والحوار المناسب لكل شخصياتها ، وإطلالة المؤلف علينا من حين لآخر ليعلق علي حدث ، أو لينقد سلوكا ، وإتباعه أحيانا إسلوب السرد الشفهي ، وتعمده في كسر الإيهام ، ليذكّر القاريء دائما أنه هو الراوي لكل الأحداث ، بل وتحاوره معه ، وهي كلها ملامح شكلت الرواية " الساراماغية " التي تتميز بالإضافة لذلك ، في هذا العمل علي وجه الخصوص ، بالعبثية ، لكنها ليست العبثية الكافكاوية ، التي تخلق من المستحيل ممكنا ومن الخيال واقعا ، لكنها العبثية الساراماغية التي تخلق من الممكن صعب المنال حقيقة ، فيمتزج الواقع مع الخيال ، والخيال مع الواقع ، ويقنعك به في تطور مدهش للأحداث ، وفي النهاية تختم الرواية بشكل غير متوقع .
ومثلما ادهشنا ساراماغو في رواية " العمي " التي قدم لنا فيها القمع بأيدي القوات السياسية ، يعود إلينا ، بعد العمي باربع سنوات ، ليتناول موضوعا شبيها ، لكن بشكل مختلف ، لكن " البصيرة " ليست إمتدادا ل " العمي " ، وإن ظهرت في جزء ما من هذه الرواية كخلفية مضيئة .
تحاول الرواية الإجابة عن السؤال التالي : ماذا سيحدث لو قام أكثر من 80% من سكان مدينة ما بالإدلاء بأصوات بيضاء ؟ ، أصوات بيضاء ، وليست اصوات ملغية ، ولا إمتناع عن الإنتخابات ، بل ذهبوا إلي اللجان الإنتخابية ، بأصوات صالحة ، لكنهم لم ينتخبوا أيا من الأحزاب الثلاثة : اليمين ، اليسار ، الوسط . لقد قرر كل ناخب ، من تلقاء نفسه ، منفردا ، بدون أن يتفق مع أحد ، وبدون إنضمامه لمنظمة ثورية ، ولا جماعة إرهابية ، أن يدلي بصوت أبيض . هذه هي نقطة البداية ، بعدها يأتي ساراماغو ليسرد ويصف ، ويبدأ العبث .
بهذه البداية المتوترة ينشيء ساراماغو مدرسة خاصة به في العبث ، حيث الواقع و الخيال يؤديا دورا شديد الخصوبة ، وهو عبث تكرر بعد ذلك في روايته " علامات الموت " التي تقوم فكرتها علي قوم رفضوا الموت وتمنوا زواله ، فإنتهي الموت ، لكن الزمن لم يتوقف ، فصار الطفل شابا و الشاب ناضجا و الناضج عجوزا والعجوز هرما ، وهرما أكثر ، وأكثر وأكثر ، فكان نتيجة ذلك أن تمنوا ان تعود نعمة الموت من جديد . وبالمناسبة ، فان علامات الموت ظهرت بعد البصيرة مباشرة ، وهو ما يؤكد بداية مرحلة جديدة في أدب ساراماغو .
في " البصيرة " يجلس الكاتب العالم بكل شيء ، الملم بتفاصيل الأحداث و الشخصيات ، واضعا يده اليمني فوق خده كعادته ، مبتسما إبتسامته الساخرة ، بملامح وجهه البريئة ، ليروي ، ويروي ويروي ، إكذوبات الديمقراطية ، هو لا يهدمها ، ولا يرفض المجتمع الديمقراطي الغربي ، بل يعيد كشفه ، يعيد إصلاحه وتجديده ، يكشف عيوبه ، يظهر اليد الحديدية المغطاة بالقطيفة ، كما يقول هو نفسه في إحدي لقاءاته ، فبدلا من أن تبحث الحكومة عن المرض ، تعالج العرض ، فتلجأ للعنف و القمع و الحصار و التعذيب والتجويع ، فكل شيء مباح من أجل الحفاظ علي كرسي السلطة . ولأن الكاتب لا يعيش في برج عاجي ، ولأنه شديد الإطلاع ، قرر أن تجري احداث روايته في مدينة ما ، هي عاصمة لدولة ما ، بدون أن يذكر إسمها ، فتلك الأحداث قد تقع في أي مكان في الأرض .
ظل سكان العاصمة في بيوتهم يوم الإنتخابات ، خرجوا فقط في الساعة الأخيرة حيث اكتظت الصفوف ، ليثبتوا لحكومتهم انهم لم يمتنعوا بسبب الامطار الغزيرة ، وانما لانهم يرفضون المرشحين جميعا ، فما كان من الحكومة إلا ان ظنت أن هناك رأسا محرضا علي الإنقلاب ، منظمة فوضية تبغي القضاء علي سلطتها ، فقرروا ، بكل عبثية ، اللجوء للوسائل المعروفة من اجهزة كشف الكذب و التعذيب . وهنا يظهر المؤلف العبثي الساخر من جديد ، عندما تصر امرأة علي أن يجلس الضابط علي نفس الجهاز ليرد علي نفس السؤال : هل أدليت بصوت أبيض ؟ فتكون إجابة الضابط بالإيجاب ، ليبرز بذلك المؤلف الخديعة التي تستخدمها الأنظمة الفاسدة .
ومع تتابع الاحداث ، تظهر ملامح الرواية الساراماغية بوضوح ، خاصة عندما تقرر حكومة هذا البلد أن تفرض الحصار علي العاصمة ، وإنشاء عاصمة جديدة ، علي أن تبقي العاصمة القديمة معاقبة بالجوع في إنتظار التموين الذي تبعثه لهم الحكومة الميمونة . وخلال هذه الأحداث ، تظهر صورة رئيس الجمهورية ، ورئيس الحكومة وكامل هيئتها ، فتظهر عبقرية المؤلف في وضع الحوار المناسب لكل شخصية ، بشكل يحسد عليه ، وبناء علي الخلفية المزود بها كل منا عن شاغلي تلك المناصب . وليكتمل العبث ، قررت الحكومة " تلبيس " التهمة لشخص ما ، وهنا تظهر " العمي " كخلفية للرواية ، حيث يكون هذا الشخص هي المرأة الوحيدة التي لم تصب بالعمي أثناء وباء العمي الأبيض الذي حدث في روايته السابقة " العمي " .
وبعد كل هذه الأحداث ، وبعد سرد أكثر من نصف الرواية ، يظهر البطل ! ، وتلك خاصية أخري من خصائص الكاتب . البطل هنا هو مأمور مباحث كلفه وزير الداخلية بالتحقيق مع المرأة السابق ذكرها و العثور علي ادلة لإدانتها ، لكن البطل يتعاطف مع " المتهمة " حيث لا يجد سوي ادلة براءتها ، فيصمم علي الوقوف معها مهما كلفه الأمر ، فيدفع حياته ثمنا لموقفه . جدير بالذكر أن المأمور ينتمي لحزب اليمين ، الحزب الحاكم ، رغم أن ساراماغو نفسه يساري ، إلا ان ذلك لم يؤثر عليه ، فما كان يهمه سوي التطور المنطقي للرواية ، كما أنه ايضا لا يقدس حزب اليسار المنتمي له . وبرغم أن الرواية مليئة بالعبارات المحملة بمعني الرواية ، إلا ان أهم عبارة تأتي علي لسان المامور : " من وقع هذا الميثاق نيابة عني ".
بدأ الكاتب روايته بالإستشهاد التالي : " قال الكلب : علينا أن نعوي " . وهو إستشهاد ذكي يناسب جو الرواية الذي يحث علي الثورة ضد كل ظلم .
وختم الرواية علي لسان رجل أعمي بعد أن قُتل الكلب الذي كان يعوي : "الحمد لله ، فأنا أبغض عواء الكلاب ". وهي إشارة إلي أنه لا أحد يكره صوت الثورة ، سوي العميان .
اما عنوان الرواية فهو مأخوذ من فكرتها ، هؤلاء القوم الذين إستنارت بصيرتهم فجأة ، وبلا رصاصة واحدة ، أعلنوا غضبهم .
بكتابة هذه الرواية إرتاح ضمير ساراماغو ، حيث قال في احدي لقاءاته بجريدة الباييس الإسبانية عقب نشرها " لو جاءني الموت الآن ، سأموت وأنا مرتاح الضمير ، فقد كتبت ما أردت " . وقبل نشر " البصيرة " بعدة شهور في البرتغال و اسبانيا و امريكا اللاتينية قال الكاتب : أعلم أن هذه الرواية ستسبب لي الكثير من المشاكل ، كما حدث مع روايتي " إنجيل المسيح " . وعقب نشرها قال ميجيل فيجيا ، أحد أبرز أعضاء الحزب اليساري اليمقراطي البرتغالي ، وهو الحزب الذي ينتمي له ساراماغو ، " لقد أصعقتني هذه الرواية " . وبرغم ان علاقته تحسنت مع البرتغال بعد سنوات من " انجيل المسيح " ، إلا أن ساراماغو عاد مرة أخري ليلقي حجرا في المياه الراكدة ، لكن المياه هذه المرة سياسية ، وليست دينية .
وأخيرا ، فإن الإنتخابات البيروانية التي جرت عقب نشر هذه الرواية ، ساد فيها " الصوت الأبيض " . وظهر في فرنسا حزب ينادي بالصوت الأبيض . ولم تسلم إسبانيا من العدوي ، ففي 2004 أدلي 600 ناخبا بصوت ابيض . هؤلاء هم الكتاب الذين يغيرون العالم .
أحمد عبد اللطيف
كاتب ومترجم مصري
أتمنى لكم قراءة ممتعة

للتحميل

هنااااااااااااااا

0 التعليقات:

إرسال تعليق


ملآحظه لزوآر مدونتي : مفتوح التعليق للجميع بالضغط على اختيار الهويه غير معروف